‫الرئيسية‬ التقارير العراق.. أزمة كورونا تكشف واقع القطاع الصحي المنهار

العراق.. أزمة كورونا تكشف واقع القطاع الصحي المنهار

واعد|| مع دخول البلاد الشهر الثاني لحظر التجوال الذي فرضته خلية الأزمة الحكومية لمواجهة تفشي جائحة كورونا Covid-19، سجل العراق 1708 حالات مع وفاة 86 مصابًا بالفيروس.

وفي ظل استمرار تسجيل المزيد من الإصابات والوفيات، كشفت الأزمة عن واقع القطاع الصحي في العراق لمواجهة الفيروس، فنقص الكمامات ومواد التعقيم وأجهزة التنفس الصناعي، إضافة إلى الفوضى التي تعتري عمل خلية الأزمة والمستشفيات؛ باتت عنوان الأزمة الصحية في العراق.

الواقع الصحي العراقي

يتذيل العراق مؤشر الصحة العالمي، وإذ مؤشر (إنديغو ويلنس) واحدًا من أكثر المؤشرات شمولاً، إذ يغطي 191 دولة حول العالم؛ فقد جاء العراق في المرتبة الـ 9 في سوء الأداء الصحي ضمن الدول الـ 20 الأسوأ في مجال الرعاية الصحية، وأرجع المؤشر ذلك إلى عوامل عديدة كالخمول وانخفاض متوسط العمر المتوقع وقلة إنفاق الدولة على الصحة.

وفي أحدث تقرير لوكالة (رويترز) عن قطاع الصحة العامة في العراق والذي نشر في الـثاني  من آذار/ مارس الماضي، أشار إلى جملة من المشكلات التي تواجه قطاع الصحة العامة في العراق، لافتًا إلى أنه وخلال عام 2019 خصصت الحكومة 2.5% فقط من موازنة الدولة البالغة 106.5 مليار دولار لوزارة الصحة، وهو ما يعد ضئيلاً للغاية مقارنة بما يتم تخصيصه لقطاع الصحة العامة في دول أخرى بمنطقة الشرق الأوسط.

وتظهر بيانات منظمة الصحة العالمية WHO التي اطلعت عليها وكالة “واعد”؛ أن العراق أنفق في السنوات الـعشر الماضية  أموالاً أقل بكثير على الرعاية الصحية للفرد من دول فقيرة مجاورة للعراق، وتتحدث المنظمة الدولية عن أن الفرد العراقي حصل في المتوسط على 161 دولارًا في الصحة العامة، في حين أنفقت الأردن 304 دولارات، بينما أنفقت لبنان 649 دولارًا.

يعاني القطاع الصحي في العراق من جملة مشكلات حتى قبل انتشار فيروس كورونا وتحوله إلى جائحة عالمية، وفي هذا الشأن يقول الأستاذ في كلية الطب الدكتور “مناف حامد” في حديثه لوكالة “واعد” إن العراق ومنذ عام 2003 لم يشهد بناء مستشفيات جديدة إلا بعدد قليل جدًا يكاد لا يذكر.

ويضيف حامد بأن القطاع الصحي في العراق بات يعتمد بشكل كبير على القطاع الصحي الخاص الذي لا يستطيع جميع العراقيين الوصول إليه بسبب التكاليف الباهظة، مؤكدًا على أن العراق شهد طفرة سكانية تفوق الـ 15 مليون نسمة، في ظل تراجع الخدمات الصحية عما كانت عليه من قبل.

ويشير الأستاذ حامد أيضًا إلى أن الفساد الإداري والمالي والتهرب الوظيفي للكوادر الطبية وسوء إدارة الموارد؛ تسبب بمشكلات تفوق الوصف مع تراجع الصناعات الدوائية في العراق واعتماد وزارة الصحة على الأدوية والمعقمات المستوردة.

وعن المشكلات التي تواجه قطاع الصحة في ظل انتشار فيروس كورونا، يؤكد أحد الأطباء العاملين في مدينة الطب بالعاصمة العراقية بغداد أن الاطباء والكوادر الطبية تعاني من صعوبات بالغة مع تفشي الفيروس.

ويشير الطبيب الذي فضل عدم الكشف عن هويته إلى أن المستشفيات تشهد نقصًا كبيرًا في وسائل الوقاية من الفيروس مثل الكمامات والملابس والقفازات ومواد التعقيم، فضلاً عن عدم وضوح خطة وزارة الصحة في معالجة المصابين بالفيروس وعدم الإفصاح عن البروتوكول العلاجي.

ووبحسب الطبيب فإن عدد الإصابات المعلن في العراق مناف للحقيقة، مشيرًا إلى أن وزارة الصحة لم تجرِ إلا 1500 اختبار يوميًا (كحد أعلى) للمشتبه بإصابتهم بالفيروس، ولم تصل عدد الاختبارات منذ بدء تسجيل العراق للمصابين حد الـ 40 ألف اختبار، في الوقت الذي استطاعت فيه تركيا إجراء هذا العدد من الاختبارات  في يوم واحد فقط.

نقص حاد في غرف العناية التنفسية

تتعدد أوجه القصور التي تعاني منها وزارة الصحة في ظل انتشار فيروس كورونا، إذ يؤكد طبيب الأمراض التنفسية الدكتور “محمد صلاح” في حديثه لوكالة “واعد” على أن العراق يضم قرابة 375 جهازًا للرعاية التنفسية الفائقة (من الأجيال القديمة) في الوقت الذي يبلغ فيه عدد سكان العراق أكثر من 39 مليون نسمة.

ويشير صلاح إلى أن الحكومات المتعاقبة لم تفلح في إنشاء بنية تحتية للقطاع الصحي ولم تعزز من موجودات المستشفيات بالأجهزة الطبية الحديثة بما يتناسب مع عدد السكان، لافتا إلى أن مصاريف مستشاري وزارة الصحة والوكلاء والنثرية والحمايات يكاد يكفي لتعزيز المستشفيات العراقية بقرابة الـ 200 جهاز تنفس اصطناعي سنويًا.

من جانبه، يؤكد الدكتور “شاكر جواد”  كبير مستشاري مركز المشاركة الصحية العالمية (The Center for Global Health Engagement) ومقره الولايات المتحدة في منشور له على صفحته في الفيسبوك على أنه وبعد أن أيقن العالم أن أجهزة التنفس الصناعي ventilator  تعد خط الدفاع الأول ضد فيروس كورونا للمصابين في حالات خطرة، فإن دول العالم باتت في سباق مع الزمن لأجل إنتاج هذه الأجهزة أو استيرادها.

ويضيف جواد أن إيطاليا التي كانت تعد قبل جائحة كورونا من أفضل دول العالم في مجال الرعاية الطبية والتي يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة عجزت وحدات العناية التنفسية فيها عن استيعاب المرضى رغم أن لديها 5200 جهاز عناية تنفسية فائقة، في الوقت الذي لا يملك العراق سوى 350 إلى 400 وحدة من هذا الجهاز، مختتما حديثه بأن العراق ولأجل وصوله إلى مستوى إيطاليا فإنه بحاجة إلى 3500 جهاز.

تردي الواقع الصحي في المدن المنكوبة

على الرغم من المشكلات الكبيرة التي يعانيها قطاع الصحة العامة في العراق، إلا أن المحافظات المنكوبة (نينوى والأنبار وصلاح الدين) تعد الأسوأ، إذ تسببت الحرب الأخيرة بين القوات الحكومية ومقاتلي “تنظيم الدولة ـ داعش” بتدمير هائل للبنى التحتية في القطاع الصحي.

ويشير مدير صحة نينوى “فلاح الطائي” في حديثه لوكالة “واعد” إلى أن المحافظة وحدها شهدت تدمير 6 مستشفيات كبيرة بصورة كاملة، مع 6 مراكز تخصصية وتضرر أكثر من 12 مستشفى آخر بنسب متفاوتة.

ويضيف الطائي أنه وعلى الرغم من مرور قرابة الـ 3 سنوات على انتهاء العمليات العسكرية، إلا أن الحكومة لم تباشر بإعمار أي مستشفى حتى الآن، وأن جميع ما تحقق من إعادة إعمار لبعض المستشفيات وتزويدها بالأجهزة الطبية جاء عن طريق المنظمات المحلية والدولية والفرق التطوعية.

ويؤكد الطائي أن محافظة نينوى لم تسجل سوى 6 إصابات بفيروس كورونا حتى الآن، وأن 5 مصابين تعافوا وخرجوا من المستشفيات، إلا أنه يشير إلى مشكلة كبيرة تواجه المحافظة وتتمثل بعدم وجود أماكن للحجر الصحي داخل المستشفيات للمشتبه بهم أو للقادمين من محافظات أخرى أو من خارج البلاد.

معضلات كبيرة يواجها قطاع الصحة العامة في العراق، في ظل إهمال متعمد من الحكومات التي أعقبت الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، وفساد كبير داخل مؤسسات وزارة الصحة، ما أدى إلى فتح عشرات الملفات ضد الوزارة في هيئة النزاهة من دون حسم أي منها حتى اللحظة.

شارك